ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
175
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
فينبغي أن يسد على نفسه أبواب الحرص ما أمكنه ويرد نفسه إلى ما لا بد منه فإن من كثر حرصه واتسع إنفاقه لم يمكنه القناعة بل إن كان وحده فينبغي له أن يقنع بثوب واحد ويقنع بأي طعام كان ويقلل من المشتهيات ما أمكنه ويوطن نفسه عليه وإن كان له عيال فيرد كل واحد إلى هذا القدر فإن هذا القدر يتيسر بأدنى جهد ويمكن معه الإجمال في الطلب فالاقتصاد في المعيشة هو الأصل في القناعة ونعني به الرفق في الإنفاق وترك الخرق . قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ما عال من اقتصد . وقال ثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية والاقتصاد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب . وروي أن رجلا رأى أبا الدرداء يلتقط حبا من الأرض ويقول إن من فقهك رفقك في معيشتك . وقال ابن عباس رضي الله عنه قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الاقتصاد وحسن السمت والهدى الصالح جزء من بضع وعشرين جزءا من النبوة . وفي الخبر التدبير نصف المعيشة . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم من اقتصد أغناه الله ومن بذر أفقره الله ومن ذكر الله عز وجل أحبه الله . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا أردت أمرا فعليك بالتؤدة ( 1 ) حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا والتؤدة في الإنفاق من أهم الأمور . الثاني إذا تيسر له في الحال ما يكفيه فلا ينبغي أن يكون شديد الاضطراب لأجل الاستقبال ويعينه على ذلك قصر الأمل والتحقيق بأن الرزق الذي قدر له لا بد أن يأتيه وإن لم يشتد حرصه فإن شدة الحرص ليس هو السبب لوصول الأرزاق بل ينبغي أن يكون واثقا بوعد الله تعالى إذ قال وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وذلك لأن الشيطان يعد الفقر ويأمر بالفحشاء ويقول إن لم تحرص على الجمع والادخار فربما تمرض وربما تفقر ( 2 ) وتحتاج إلى احتمال الذلة بالسؤال فلا يزال طول العمر يبعثه
--> ( 1 ) التؤدة - وزان اللمزة - التأني والرفق والسكون والوقار . ( 2 ) [ تعجز ] .